العقرب الذي لدغ أبي
وليد مالك ال ناصر
كنت مع أبي و أمي و أختي و بيت عمي في نزهة خارج المدينة . كان الطقس غير واضح . أحيانا ً كانت الشمس تسطع من غير أن يكون لها منازع . و أحيانا ً الغيوم كانت تلبّد الشمس . تارة ً كانت السماء تأتي بأمطار و تارة ً كانت تحكي للرياح حكاية الودّ . كنّا نعيش أوّل أيام الربيع و كان الجوّ باردا ً لحدود يقشعرّ له الجلد .
أمي و خالتي و أختي أعددن الفطور و أ بي و عمي و أنا أشعلنا ناراً كبيرة . كان أبي المسؤول عن بقاء النار و لهذا كان يحتاج الكثير من الحطب .
كان يأتي بالأغصان اليابسة المقطوعة و يحرقها ، كي تكون لنا دفئاً و ربّما إثارة ً وكم يستحسن أبي النار التي يشعلها .
غصناً و غصنين و ثلاثة . ذهب أبي كي يأتي بالرابع . بقاء النار كان معلقا ً بمجئ الغصن الرابع و بقاءنا هناك كان معلقا ً ببقاء النار .
فذهاب أبي كان يبدو ضروريا ً . كان الغصن الذي نوى بأن يأتي به أبي ثقيلا ً لكنه و من الطبيعي كان بإمكانه أن يبقي النار لفترة أطول و هذا ما كان يحفّز أبي ليأتي به . كان يسكن الغصن عقرب صغير ترافقه إخوته . كان العقرب يرى بيته على مهبّ الريح .
ماذا كان عليه أن يفعل . هل يترك البيت لأبي كي يحرقه حتى تستأنس عائلة .
لدغ العقرب الصغير أبي و هذا كل ما كان بإمكانه أن يفعل .
صاح أبي و هو يبتسم و خوف يجتاح كيانه
- العقرب لدغني ... العقرب لدغني
ذهبنا نحو أبي . رأينا العقرب . تكالبت أيدينا عليه .
أخذنا أبي للمسشفى أنا و عمّي و هناك أخضع للتحاليل و أخذ بعض الحقن .
بعد ساعتين رجعنا إلى المكان نفسه . كانت النار لازالت مشتعلة . خالي و عائلته كانوا هناك . إعداد الغداء كانت مهمّتهم . حمدوا الله على سلامة أبي و أمي قالت لأبي بكلمات ٍ منتصرة
- أحرقت الغصن
بحثت عن العقرب . وجدت رأسه المدعوك و أقدامه المهشمة و ذيله المقطوع . أخذته إلى أبي . نظر إليه أبي برهبة أظنّ بأنها كانت تكفي العقرب شرفا .
أخذ أبي العقرب و قذفه في الأعشاب بعيدا ً عن متناولنا جميعا.
ذهبت إلى الشمس البعيدة كي تستريح طويلا ً .
ما أجمل الدموع عندما تسكب غير مطاوعة صاحبها ، ثائرة على كيانها ، مغازلة روحها , لا لأغراض تلتف حولها ذباب البشر بل لأسباب يشنق من أجلها شجر البر وقنديل البحر.
كان أبي يفرك أسنان المشط في الماء و بعدها يمشط شعر أمّي و هو يرتدي إبتسامة خضراء . و أمّي كانت تتطلع للسماء مستمتعة . كان أبي يحبّ أمّي كثيرا ً ؛ لكنه لم يقل لها يوما ً بأنه يكِنّ لها في قلبه هذا المقدار من الحب . كان يعتقد أنّ الحبّ يختفي إذا ذكر . أمّي كانت تعرف أنّ أبي يحبها ؛ لكنها كانت تريد أن تسمع أبي و هو يهجّي الكلمة . ألفٌ و حاءٌ و باءٌ و كاف .كانت تعتقد أنّ الحب لن يصبح حبّا ً إلاّ إذا أفصح صاحبه عنه . مات أبي . ماتت أمّي . بقى الحبّ معلقا ً . لا خرج من كيان أبي و لا دخل كيان أمّي . لم يتنازل أبي عن أفكاره و لا أمّي قبلت أن تتنازل . أبي كان يحبّ أمّي و أمّي كانت تعرف . مات أبي ... ماتت أمّي ... و بقى الحبّ معلقا ً من غير أن يثري حيات أبي و لا حيات أمّي !
رأيته و رآني . تراجع قليلا ً . حدقت بعينيه و حدق بعيني . كان مترددا ً و نسبه يرجع للكلاب التي تعودت أن تمشط الشوارع في الليل و تغيب خوفا ً في مسرح النهار . الكلاب التي فقدت كرامتها لأنها رفضت أن تكون خادمة في بيت سيدها أو تكون دمية ً تسلـّي ناظريّ صاحبها . الكلاب التي رفضت أن تدخل في معادلات البشر المعقدة و تحارب تحت راية سيدها ، خشية أن يكون ظالم . فإنها لاتستطيع أن تميّز الحق من الباطل . لا نضحك على عقلها ! فالإنسان نفسه لا يقوى على تمييز الحق عن الباطل . الكلاب التي تقبلت مفهوم التثقف بكل رحابة صدر و رفضت مفهوم الهجوم للدفاع عن نفسها و مرّت من البشر مرور الكرام ، فلا كشرت أنيابها في وجههم ولا هزّت ذيلها طمعا ً في رحمتهم .
و إن كنت أخاف من فصائل الكلاب كلها ، فتردده عجبني و أعطاني شيئا ً من الأمان . إقتربت منه قليلا ً فنبح في وجهي و كأنه يقول لي إلزم مكانك . تسمّرت في مكاني و خوفا ً رقيقا ً ينتاب كياني و يقشعر له جلدي من غير أن يتأثر قلبي ، لأني كنت أؤمن أنه سوف لن يهجم علي . أخذ ينظر إليّ حذرا ً ثم دار و أولاني ظهره و راح يبتعد عني ببطئ. أردت أن أتركه لكن شيئا ما كان يشدني به . تبعته . كان يذهب بإتجاه المزبلة غير مكترث بي و بحركتي خلفه . كان يمشي و حزن عظيم يبدو عليه و كأنه رجل من الرجال الذين عظّم ذكراهم التاريخ .
بالأمس بلدية المدينة بالتعاون مع مركز الصحة أصدرت قرارا ً بإعدام الكلاب الغير أهلية و إجتثاثها ؛ لأنها قد تسببت في أمراض ٍ لدى البشر . البشر الذين يتخذون من الكلاب وسيلة للتفرج و اللعب . لا أدري إن كنت تصدق أو لا . فذات مرة رأيت عددا ً من الشباب و هم يصبّون قنينة من البنزين على كلب ٍ و يشعلونه نارا ً و الكلب يعوي و يركض و النار تجتاح جسده حتى يهوى و يموت و هؤلاء الشباب يضحكون و صوت ضحكهم يتوغل في خلايا جسد الكلب قبل أن تتوغل النار فيها . و مرة رأيت كلبا ً معلقا ً من رقبته من على العارضة العمودية لمرمى ً في أحد ملاعب كرة القدم الترابية و جثته تلوح في الهواء و عليها قطعة قماش و عليها إسم أحد زعماء العالم . و مرة رأيت شابا ً يشدّ على على رقبة كلب ٍ حبلا ً و يسحبه ، ثمّ يشد الحبل بالجسر و يلقي الكلب في الشاطئ و هذا في وسط الشتاء القارس . فمن الواضح أن الكلاب هذه كانت أحد الأسباب الرئيسة في مرض هؤلاء البشر . بالإضافة إلى هذا كان الناس يعتقدون أن الكلاب هذه قد ترهي بعض الناس مثلي أنا و نظرا لسرعة الحمل و الإنجاب لدى الكلاب قد تتغير ديموغرافية المدينة و قد تتحول مدينة البشر في وقت قصير إلى مدينة من الكلاب . هذه الأسباب و أسباب أخرى قد لا نعرفها أنا و أنت قد أباحت إبادة هذه الفصيلة من الكلاب.
كان الكلب في المزبلة يقترب من سمكة كان وجودها في المزبلة يبدو غريبا ً . و قف الكلب محدقا ً فيها قليلا ً و كأنه يعرف أن السمكةهذه قد لا تتناسق مع المشهد هذا و يعرف أن السمك المسموم هذا جلب الموت للكثير من رفاقه الذين مشطوا الشوارع معه و هربوا من الناس معه و أكلوا و شربوا و فرحوا و حزنوا معه . إنحنى على السمكة ليأخذها. ركضت نحوه كي أثنيه عما يىيد فعله . كنت أعرف أن السمك هذا كان هدية من عند البلدية للكلاب هذه كي لا تموت ببطن ٍ فارغةٍ . لكنه أخذ السمكة و هرب مني . ركضت خلفه . لم يكن يهمني كلام الذين قد يروني و أنا أركض خلفه . أصبح همي الوحيد اللحاق به . ربما كنت أريد أن أثبت له أن البشر ليسوا سواسية كما يظن ؛ فإذا أحدهم دسّ له السمّ في السمك ، أحدا ً آخرا ً يمنعه من أكله .
كان سريعا ً في الهروب مني و كنت بطيئا في اللحاق به . كان يعرف خبايا الشوارع و الأزقة . في لحظات إختفى و ضاعت أخباره وكأنه لم يكن .
ذهبت إلى البيت مكتئبا ً لفشلي ساخطا ً على كرامتي التي نثرها البشر الذين يحلّون في جسد ٍ كجسدي و يتكلمون بإسمي . لم أنم حتى وقت ٍ طويل ٍ من الليل . إذا قلت حزنا ً على الكلب ربما كذبت . فقد تعودنا أن نسهر نحن بنو البشر . ربما لأن ّ في السهر حلاوة لم يكتشفها آبائنا الأولين أو ربّما قد إنحرفنا نحن الأبناء عن نهجهم المتين.
عند الصباح خرجت . كانت المزبلة في طريقي . وصلت إليها . رأيت الكلب فيها طريح الأرض . إقتربت . كأنّ السمّ إستطاع أن ينال منه . كانت عيناه مغمضتان بإسترخاء . كأنه لم يقاوم الموت أبدا ً . لم يرد الحياة من غير قرين . مات ليكون جزءا ً من تاريخ الأرض الذي لم يكتب . مات ليكون منصفا ً في المودة[1]. مات كي يكون كبيرا ً في حبه ، كبيرا ً في وفائه ، كبيرا ً في حزنه . إنسابت دموعي من غير أن أجيزها و ما أحلى الدموع التي تنساب عفوية . لو كان بيدي لدفنته في واجهة مقبرة البشر و لكتبت في رثائه قصيدة تأبين ٍ طويلة ؛ لكن العرف كان يفرض نفسه . جاء الزبال و وضع الكلب في السيارة و هو ينظر لي مستغربا ً و كأنه يرى مجنونا ً في لباس عاقل . تحركت السيارة و تحركت خلفها مشيعا ً جثمان الكلب و أنا أنكف دموعي .
[1] إن لم أمت يوم الوداع تأسفا ... لا تحسبوني في المودة منصفا
سعدي الشيرازي